تصميم السلوك في UX: لماذا لم تعد قابلية الاستخدام كافية؟

تصميم السلوك في UX_ لماذا لم تعد قابلية الاستخدام كافية؟ - رشيد – الإنسان أولاً - relkaddouri.com

لأكثر من عقد كامل، كان هناك مبدأ ذهبي يعرّف تجربة المستخدم:

👉 “اجعلها سهلة. أزل الاحتكاك. حافظ على البساطة.”

هذا المبدأ كان ثوريًا في وقت كانت المواقع والتطبيقات معقّدة، مليئة بالنصوص، وبعيدة عن الفهم. كان دور المصمّم هو إزالة العقبات وجعل المستخدم يُكمل مهامه دون ارتباك.

لكن في 2025… هذا المبدأ أصبح محدودًا.
قابلية الاستخدام لم تعد تكفي.

والسبب بسيط:
الإنسان لا يتصرّف بعقلانية دائمًا.
نحن لا نتخذ قراراتنا عبر مقارنة كل الخيارات بهدوء.
نحن نعتمد على الاختصارات العقلية، التحيّزات، المشاعر، والإشارات الدقيقة.

وهنا يظهر مفهوم Behavioral UX — تصميم لا يستهدف “الاستخدام فقط”، بل السلوك نفسه.


1. النموذج القديم: UX = قابلية الاستخدام

منهجيات UX التقليدية قدّمت أساسات عظيمة:

  • تدفقات بسيطة (تقليل عدد النقرات)
  • هيكلة معلومات واضحة
  • معايير Jakob Nielsen مثل: الوضوح، الاتساق، منع الأخطاء

هذه المبادئ نقلتنا من “تجارب معطوبة” إلى “تجارب بديهية”.

لكن قابلية الاستخدام تجيب فقط على سؤال:

“هل يستطيع المستخدم فعل المهمة؟”

ولا تجيب على الأسئلة الأهم:

هل سيقوم بها فعلًا؟
هل سيعود غدًا؟
هل سيصبح هذا المنتج جزءًا من عاداته أو قراراته؟

مثال:
تطبيق رياضي قد يكون سهل الاستخدام تمامًا…
لكن إن لم يُحفّز المستخدم للعودة غدًا → فهو فاشل وظيفيًا.

قابلية الاستخدام ≠ التفاعل.


2. الحقيقة اليوم: البشر غير عقلانيين

علم الاقتصاد السلوكي (Kahneman, Thaler, Sunstein) وعلم النفس الإدراكي يوضحان أن:

  • الإنسان يعتمد على الاختصارات الذهنية.
  • يسقط في تحيّزات (Anchoring, Framing, Loss Aversion…).
  • يتأثر بالـ Nudges غالبًا دون وعي.

مثال 1: تحيّز الارتساء (Anchoring)
عندما يعرض متجر إلكتروني منتجًا بـ 999$ بجانب آخر بـ199$، سيبدو السعر الثاني “صفقة”، رغم أنه لم يكن جذابًا من قبل.

مثال 2: كره الخسارة (Loss Aversion)
“لا تخسر تقدّمك!” غالبًا أقوى من “استمر في تحسين سلسلتك!”.

👉 الواجهة لا تعرض خيارات فقط.
الواجهة تؤطّر القرارات.


3. الـ Nudges: أدوات تؤثر في السلوك الحقيقي

ثلاثة Nudges تغيّر السلوك أكثر من أي تحسين في زر أو قوائم:

✔ الإعدادات الافتراضية

الدول التي تعتمد “الاشتراك التلقائي” في التبرع بالأعضاء تصل مشاركتها لأكثر من 90%.
الدول التي تعتمد “الاشتراك الاختياري” تصل إلى 20%.

نفس الواجهة… لكن افتراضي واحد يغيّر كل شيء.

✔ الندرة (Scarcity)

“تبقّى 3 تذاكر فقط بهذا السعر.”
تحفّز القرار السريع. تستخدمها شركات الطيران والمتاجر باستمرار.

✔ الدليل الاجتماعي (Social Proof)

“أكثر من 10,000 مستخدم انضموا اليوم.”
يقلّل الشك ويرفع الثقة.

👉 هذه ليست تحسينات استخدام.
هذه روافع سلوكية.


4. هندسة الاختيار: المصمّم ليس محايدًا أبدًا

Choice Architecture = الطريقة التي نرتّب بها الخيارات ونقدّمها.

كل قرار تصميمي يؤثر على قرار المستخدم:

  • ما الخيار الذي نضعه كـ “موصى به”؟
  • هل نقول: “5$ في الشهر” أم “16 سنتًا في اليوم”؟
  • هل التجربة المجانية تتجدد تلقائيًا أم تحتاج موافقة؟

مثال:
Netflix تبرز “الخطة الأكثر شعبية”.
لماذا؟
لأن مجرد إبرازها يخلق جاذبية نفسية لها.

الدرس:
🎯 المصممون لا يكونون محايدين أبدًا.
حتى اللون والنبرة وترتيب الخيارات يعيد تشكيل القرار.


5. المعضلة الأخلاقية

المشكلة الصعبة:

إذا كان بإمكاننا التأثير في القرارات…
فأين الحد الفاصل بين التوجيه والتلاعب؟

مثال إيجابي:
Duolingo يستخدم الـ Streaks لتحفيز التعلم اليومي.

مثال سلبي:
صفحة اشتراك تُخفي زر الإلغاء بنص رمادي ضعيف.

كلاهما Behavioral Design.
واحد يبني قيمة… والآخر يستغل المستخدم.

لهذا يجب على كبار المصممين قيادة النقاش الأخلاقي حول تصميم السلوك.
الحياد غير موجود هنا.

👉 الأخلاق ليست تفصيلًا إضافيًا… بل جزءًا من التصميم.


6. لماذا لم تعد “قابلة الاستخدام” كافية؟

قد يكون المنتج:

  • سهل التصفح
  • جميلًا بصريًا
  • وواضحًا لغويًا

ومع ذلك… يفشل.

لأن:

  • بدون بناء العادات → المستخدم يرحل
  • بدون الثقة → يتردد
  • بدون الدافع → ينسحب

مثال:
تطبيقان للميزانية، كلاهما واضح وسهل.
الأول يتعقّب المصاريف فقط.
الثاني يقدم “انتصارات صغيرة”: “وفّرت 50$ هذا الأسبوع!”.

أي واحد يبني ولاءً؟
أكيد الثاني.

👉 قابلية الاستخدام هي الأرضية… وليست السقف.


7. كيف نتبنى عقلية Behavioral UX؟

لنرفع مستوى عملنا كمصممين كبار، يجب أن نغيّر زاوية التفكير:

من تصميم التدفقات → إلى تصميم الخيارات
من إزالة الاحتكاك → إلى بناء الدافع
من اختبار السهولة → إلى اختبار التأثير السلوكي

مثال عملي:
عند اختبار مسار التسجيل، لا تكفي إجابة: “هل أكمل المستخدم؟”
اسأل: “كم عاد بعد 7 أيام؟”
هذا هو الأثر السلوكي الحقيقي.

يتطلب ذلك مزج:

  • علم النفس
  • الاقتصاد السلوكي
  • أبحاث UX
  • الأخلاقيات

8. مستقبل Behavioral UX

مع صعود الذكاء الاصطناعي، التخصيص، والواجهات المتكيّفة:

  • الواجهات ستتوقع السلوك قبل أن يحدث
  • قوة الـ Nudges ستتضاعف
  • الخط الفاصل بين “التوجيه” و“الاستغلال” سيزداد ضبابية

👉 دور المصمّم المتقدم: ليس فقط “ما الممكن”، بل “ما المسؤول”.

مثال مستقبلي:
مدرب صحي بالذكاء الاصطناعي يدفعك للنوم مبكرًا.

– رائع إذا كان هدفه صحتك
– خطير إذا كان هدفه زيادة وقت الاستخدام فقط


خلاصة: رفع مستوى UX

عصر “اجعلها بسيطة” انتهى.
نحن ندخل عصر Behavioral UX:

  • قابلية الاستخدام = الحد الأدنى
  • السلوك = الاستراتيجية
  • الأخلاق = القيادة

لم نعد نُصمّم واجهات فقط.
نحن نصمّم قرارات، عادات، ومعنى.

Comments

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *