فن تصميم مسار المحادثة

فن تصميم مسار المحادثة - رشيد – الإنسان أولاً - relkaddouri.com

توجد لحظة معيّنة تحدث عندما تبدأ بالعمل بجدّية مع الذكاء الاصطناعي:

تتوقّف عن التفكير بمنطق الشاشات، وتبدأ بالتفكير بمنطق النوايا.
تصبح الواجهة أقل أهمية من تلك الطبقة غير المرئية التي تربط بين المستخدم والنظام —
الحيّز الذي تُصاغ فيه المعاني ويُتفاوَض عليها.

هنا يظهر مفهوم “مسار المحادثة”.
وبصراحة… هو ليس ما يظنّه معظم الناس.

الكثير من المصممين يتخيلون أن المحادثة مع الذكاء الاصطناعي هي مجرد تسلسل زمني للرسائل.
ولكن كلما تعمّقت في هذه الأنظمة، أدركتَ كم أن هذا التصوّر مضلِّل.

مسار المحادثة ليس نصًا مكتوبًا.
ليس سيناريو Chatbot.
وليس مجرد “كتابة UX”.

إنه خريطة تفكير.

إنه البنية الخفية التي تنظّم كيف يفسّر الذكاء الاصطناعي الطلب،
وكيف يتساءل، ويتردد، ويضبط نفسه، ثم يتصرف.

إنه أشبه برقصة خلف الستار — وحين تراها بوضوح، تفهم أن هذا هو المكان الذي يحدث فيه العمل الحقيقي للمصمّم.

اليوم سنغوص في هذا العالم.

ليس كفنيّين.
ولا كمهندسي Prompt.
بل كمصممين يريدون فهم كيف يتحرك الذكاء داخل الواجهة.


ابدأ من هنا لتفهم الصورة كاملة

هذا هو المقال الذي يضع الإطار العام.

هو النظرة الشمولية قبل الدخول إلى التفاصيل التالية.


لماذا مسار المحادثة ليس مجرد Deliverable جديد؟

في الواجهات التقليدية، يجب على المستخدم أن يتكيّف مع هيكل النظام:

نموذجك، حقولك، بياناتك المطلوبة…

أما في تجربة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، فإن العكس تمامًا يحدث:

النظام يتكيف مع طريقة تعبير المستخدم، مع غموضه، مع اختصاراته، مع عدم اكتمال جُمله.

وهذا يخلق مسؤولية جديدة علينا:

علينا أن نصمّم سلوك النظام عندما يكون المستخدم طبيعيًا، بشريًا، غير دقيق، وغير كامل.

مسار المحادثة هو مجرد طريقة لجعل هذا السلوك مرئيًا.

وكلما تعمّقت في هذا الفن، شعرتَ أننا نبني جسرًا بين عقلين:

  • عقل بشري: عاطفي، حدسي، متسرّع.
  • وعقل احتمالي: حذر، تحليلي، منظّم.

تصميم هذا الجسر هو امتياز… وتحدٍ.


حيث تبدأ كل محادثة حقيقية

تبدأ من شيء إنساني جدًا:

نية.

ليست زرًّا.
ولا مخططًا.
بل فكرة معبَّر عنها بأبسط شكل.

“أريد تجديد عقدي.”
“اطلب 30 علبة ورق A4.”
“حضّر مسودة بريد لعميل.”

وكل ما يفعله النظام بعد ذلك هو رقصة ذهنية حول هذه النية:
من التفسير، إلى التوضيح، إلى التأكيد.

ولهذا تبدو مسارات المحادثة وكأنها حيّة:
إنها تعكس التعقيد الطبيعي للتواصل البشري.


الخريطة: كيف تعمل المحادثة الذكية فعلًا

خريطة “النية → التفسير → التوضيح → التأكيد → الإجراء”

الرحلة الذهنية وراء كل تفاعل ذكي مع الذكاء الاصطناعي. - رشيد — الإنسان أولًا - relkaddouri.com
الرحلة الذهنية وراء كل تفاعل ذكي مع الذكاء الاصطناعي. – رشيد — الإنسان أولًا – relkaddouri.com

إنها الرحلة الذهنية وراء كل تفاعل ذكي.

ليست لأنها “صحيحة رياضيًا”،
بل لأنها تمثّل الحركة الجوهرية التي تحدث خلف الكواليس.


المسارات الثلاثة — الجزء الذي يغفله معظم المصممين

بعد دراسة العديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي، أدركت أن كل محادثة تقريبًا تمر بأحد ثلاثة مسارات واضحة.

وأحدث هذا الاكتشاف نقلة كبيرة في طريقة عملي.

إليك هذه المسارات:

المسار 1 — المسار الطبيعي (النظام يفهم من أول مرة)

المستخدم يعبّر → النظام يفهم → المهمة تُنجز.
هذه هي التجربة “الناعمة” التي يحلم بها كل فريق.

المسار 2 — مسار التوضيح (النظام يحتاج معلومات إضافية)

الذكاء الاصطناعي غير متأكد، فيسأل:

“أي مورّد تفضّل؟”
“أي يوم تحديدًا من الأسبوع القادم؟”
“هل تختار الخيار A أم B؟”

ليس ليُعطّل المستخدم، بل ليبقى متوافقًا معه.

المسار 3 — مسار الاسترجاع (النظام لم يفهم)

الطرق الثلاث التي يتعامل بها الذكاء الاصطناعي مع أي طلب - رشيد — الإنسان أولًا - relkaddouri.com
الطرق الثلاث التي يتعامل بها الذكاء الاصطناعي مع أي طلب – رشيد — الإنسان أولًا – relkaddouri.com

وهذا أكثر اللحظات إنسانية.

النظام يعترف بعدم اليقين.
يعيد ضبط السياق بلطف.
يحاول مرة أخرى دون أن يفقد ثقة المستخدم.

هذه المسارات الثلاثة هي الهيكل العظمي لكل تجربة محادثة مع الذكاء الاصطناعي.


مثال بسيط لإحياء الفكرة

لنأخذ المثال الواضح: طلب شراء.

المستخدم يكتب:

“اطلب 30 علبة ورق A4 للأسبوع القادم.”

وهذا هو ما يفعله النظام فعلًا:

  • يلتقط النية
  • يفسّر المعنى
  • يبحث عن المتغيرات الناقصة
  • يسأل عمّا يحتاجه
  • ينظّم كل المعلومات
  • يؤكد
  • ثم ينفذ
_المحادثة الحقيقية وراء طلب بسيط_- رشيد — الإنسان أولًا - relkaddouri.com
_المحادثة الحقيقية وراء طلب بسيط_- رشيد — الإنسان أولًا – relkaddouri.com

هذه ليست أتمتة.
هذه شراكة.

وحين تراها بهذه الطريقة،
تفهم لماذا يُعدّ تصميم تجارب الذكاء الاصطناعي تحديًا جميلًا:

أنت تصمّم السلوك العقلي لنظام يريد المساعدة.

Comments

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *