ما بعد المحتوى المُعاد تدويره: كيف يرتقي مصمّمو تجربة المستخدم حقًا؟

ما بعد المحتوى المُعاد تدويره_ كيف يرتقي مصمّمو تجربة المستخدم حقًا؟ - رشيد – الإنسان أولاً - relkaddouri.com

تعب التكرار

بعد نحو عقدٍ كامل في مجال تجربة المستخدم، بدأت ألاحظ نمطًا مقلقًا.
يبدو أن النقاش حول تخصّصنا عالق في دائرة لا تنتهي:
Personas، Wireframes، User Journeys… مفاهيم مهمّة، نعم — لكنها تُعاد باستمرار، وتُبسّط حدّ التفريغ من المعنى.

بالنسبة للمبتدئين، هذا المحتوى مدخلٌ جيّد.
لكن بالنسبة لمن أمضوا سنوات في التصميم… لم يعد كافيًا.
إلى أين يتجه المصمّم المتمرّس حين لا تعود الأساسيات قادرة على توسيع أفقه؟

هذه المقالة محاولة للإجابة عن ذلك.
إنها لا تتحدث عن الأدوات التكتيكية، بل عن التحولات العميقة القادرة على دفع ممارستنا — وصناعتنا — إلى الأمام.


1. من الشاشات → إلى الأنظمة

أول انتقال جوهري هو التحرر من سجن الواجهة.

يُختزَل UX كثيرًا في الشاشة التي أمامنا، بينما الشاشة ليست سوى نافذة صغيرة على منظومة أكبر: بنى تقنية، قوانين تنظيمية، سياسات شركات، وثقافات بشرية.

التصميم الجيّد لا يقتصر على تحسين تدفّق؛
بل يعيد تشكيل سلوك الأنظمة.

فكّر في تصميم الخدمات في المجال الصحي:
التجربة لا تصنعها تطبيقات منفصلة، بل التناغم بين المريض والطبيب وشركة التأمين والأجهزة والبروتوكولات.

للارتقاء، يجب أن نفكّر كمصمّمي أنظمة.
أدوات مثل خرائط الأنظمة، الدوائر السببية، نماذج النُظم البيئية تكشف نقاط النفوذ حيث يمكن لتدخل صغير أن يخلق أثرًا كبيرًا وغير متناسب.


2. من قابلية الاستخدام → إلى السلوك

علّمتنا UX الكلاسيكية أهمية السهولة.
لكن السؤال الأعمق هو: أي سلوكيات نُشكّلها أو نمنعها أو نعيد توجيهها؟

يُظهر الاقتصاد السلوكي والعلوم المعرفية أن المستخدمين لا يتصرفون بـ”عقلانية” خالصة.
نحن نتحرك وفق تحيّزات ذهنية، إشارات لاواعية، وNudges دقيقة.

  • الإعداد الافتراضي يغيّر معدل التبني أكثر من أفضل Tooltip.
  • رسالة “الندرة” الواحدة قد تؤثر أكثر من ساعات من اختبارات الاستخدام.

للارتقاء، يجب أن ندمج علوم السلوك في عملنا:

  • هندسة الاختيار (كيف نؤطّر القرارات)
  • تشكيل العادات (تصميم ارتباط طويل المدى)
  • إدارة الحمل المعرفي (متى نبسّط ومتى نثري)

مستقبل UX ليس الواجهات القابلة للاستخدام فقط،
بل تصميم السلوك الأخلاقي — تشكيل الأفعال مع حماية استقلالية الفرد.


3. من تجربة المستخدم → إلى الإستراتيجية

إحدى أكبر المزالق التي يواجهها المصمّمون الكبار هي أن يُنظر إليهم كمنفّذين:
“اجعلها سهلة، اجعلها جميلة.”

لكن المؤسسات التي تفهم قيمة التصميم تتعامل معه كسلاح استراتيجي.

الإستراتيجية في UX تعني:

  • تحويل البصيرة الإنسانية إلى قيمة تجارية
  • ضبط KPIs تتجاوز السهولة نحو: الاحتفاظ، التبنّي، NPS، CAC، LTV
  • الحضور على طاولة رؤية المنتج، لا في مرحلة التسليم فقط

الانتقال هنا هو القدرة على الترجمة:
هل تستطيع التحدث بلغة المدراء التنفيذيين؟
هل تستطيع الدفاع عن قرار تصميم لأنه يرفع الإيرادات أو يقلل المخاطرة أو يخلق ميزة تنافسية؟

هنا يصبح UX تخصّصًا استراتيجيًا… لا مجرد تنفيذ.


4. من الممارسة → إلى القيادة

بعد سنوات من صقل المهارة، يبرز تحدٍ أكبر:
كيف توسّع أثرَك عبر الآخرين؟

القيادة في التصميم ليست إدارة أشخاص فقط؛
إنها بناء ثقافة تصميم داخل المنظمات.

  • إنشاء Design Ops لتسهيل العمليات
  • تدريب المصممين الصغار على التفكير، لا مجرد اختصارات Figma
  • الدفاع عن التصميم الأخلاقي في غرف الاجتماعات

القائد الحقيقي يعلم أن الواجهة المثالية لا قيمة لها إذا كان النظام التنظيمي يخنق الابتكار.
القيادة في UX هي حماية الظروف التي تسمح للتصميم الجيّد بالازدهار.


5. من الوظيفة → إلى المعنى

أعمق انتقال هو انتقال فلسفي.

في جوهره، كان UX دائمًا عن الإنسان، لا عن الواجهة.
ومع ذلك، تبقى ممارساتنا — في كثير من الأحيان — نفعية:
تحسين تدفّقات، تقليل احتكاك، زيادة تحويل.

لكن الإنسان لا يعيش بالكفاءة وحدها.
الإنسان يعيش بـ المعنى.

هنا يدخل الفن والفلسفة والثقافة:

  • العمارة تُظهر كيف يمكن للفضاء أن يصنع الشعور
  • السينما تكشف قوة الإيقاع والصمت والمنظور
  • الفينومينولوجيا تسأل: كيف تبدو تجربة الوجود عبر هذا التصميم؟

حين يتبنى UX هذا المستوى، نتوقف عن سؤال:
“هل هو قابل للاستخدام؟”
ونبدأ بالسؤال:
“هل هو إنساني؟ هل يثري الحياة؟ هل يضيف معنى؟”


6. الحدود الناشئة

لا يمكن الحديث عن مستقبل UX دون الإشارة إلى القوى التي تعيد تشكيله اليوم:

  • الذكاء الاصطناعي والنماذج اللغوية: تصميم الثقة، الشفافية، وتعاون الإنسان والآلة
  • الواجهات المكانية: AR/VR والواقع الممزوج، والانتقال من 2D إلى التجربة المتجسّدة
  • تجربة المستخدم المحيطية: تجارب بلا شاشات — في السيارات والبيوت الذكية والأجهزة القابلة للارتداء
  • الأخلاق والاستدامة: تصميمٌ للمجتمعات والأنظمة البيئية، لا للمستخدم الفرد فقط

كل هذه المجالات تتطلب تفكيرًا يتجاوز البكسل.


نرتقي معًا

بعد 9 سنوات، خلصتُ إلى ما يلي:
UX ليست قائمة طرق أو أدوات.
إنها عدسة لفهم العالم — ولمعالجة العلاقة بين الإنسان والنظام والمعنى.

إذا استمررنا في إعادة تدوير المحتوى، سنركد.
وإن تجرأنا على الخوض في:
تفكير الأنظمة، علوم السلوك، الإستراتيجية، القيادة، الفلسفة، والتقنيات الناشئة — فسنتطور.

الدعوة بسيطة:
لنخرج من الحلقة، ولنبدأ القيادة.

Comments

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *